سُئل يوماً حاتم الطائي ، وكان مشهوراً بشدة الكرم :
يا حاتم  .. هل غلبك أحد في الكرم ؟
فقال : نعم غلام يتيم من طيء نزلت بفنائه ، وكان له عشرة رؤوس من الغنم ، فعمد إلى رأس منه فذبحه وأصلح من لحمه ، وقدمه إليَ .

وكان فيما قدم إلي الدماغ فتناولت منه واستطبته ، فقلت له : طيب والله .
فخرج من بين يديَ وجعل يذبح رأساً رأساً  ويقدم إلي الدماغ وأنا لا أعلم . .
فلما خرجت لأرحل وجدت حول بيته دماً عظيماً ، وإذا هو قد ذبح الغنم كلها  .

فقلت له : لم فعلت ذلك ؟
فقال : يا سبحان الله تستطيب شيئاً أملكه وأبخل به عليك !! إن ذلك لسبة على العرب قبيحة

قيل يا حاتم : فما الذي عوضته ؟
قال : ثلاثمائة ناقة حمراء وخمسمائة رأس من الغنم  .
فقيل : إذاً أنت أكرم منه ..
فقال : بل هو أكرم .. لأنه جاد بكل ما يملكه ، وإنما جدت أنا بقليل من كثير .


"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"

النُمْرُود بن كنعان، ملك جبار تحدى الله بنائه برج بابل، كما يتضح من قصته التي ذٌكرت في 
 
سورة البقرة، ومناظرته مع إبراهيم الخليل عندما أراد أن ينازع الله سبحانه وتعالي في العظمة والكبرياء فادعى الربوبية، وهوَ أحدُ العبيد الضعفاء.
 
فماذا فعل الله به جزاءاً لكفره ؟
 
وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان أحد ملوك الدنيا، فإنه قد ملك الدنيا 
 
 
فيما ذكروا أربعة: مؤمنان وكافران. فالمؤمنان (ذو القرنين وسليمان) والكافران (النمرود وبختنصّر)..

 
وكان طغا وبغا، وتجبر وعتا، وآثر الحياة الدنيا،ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا 
شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على الإنكار، فحاجّ إبراهيم الخليل في ذلك وادعى 
 
لنفسه الربوبية. فلما قال الخليل : "ربي الذي يحي ويميت" قال : (أنا أحي وأميت).

قال قتادة والسُّدِّي ومُحَمْد بن إسحاق : يعني أنه إذا أتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.

فقول هذا الملك الجاهل (أنا أحيي وأميت) إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند، 
 
وإن عنى ما ذكره قتادة والسُّدِّي ومُحَمْد بن إسحاق فلم يقل شيئاً يتعلق بكلام الخليل إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل.

ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم، ذكر دليلاً 
آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادّعاه النمرود وانقطاعه جهرة: قَال: "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ 
 
مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ" أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها 
 
خالقها ومسيرها وقاهرها. وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء. فإن كنت كما زعمت من أنك 
 
الذي تحي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب فإنّ الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا 
 
يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم 
 
تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحد، أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل 
 
من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.

                   
فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام 
 
يجيب الخليل به بل انقطع وسكت .. ولهذا قال: "فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".

وقد ذكر السُّدِّي : أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود، يوم خرج من النار، ولم يكن اجتمع به يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة

وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم: أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس 
 
يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة ولم يكن اجتمع به إلا يومئذ، فكان بينهما 
 
هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام.

فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال: اشغل أهلي إذا قدمت عليهم، 
 
فلما قدم: وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاماً طيباً، فعملت منه طعاماً. فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه، فقال: أنى لكم هذا؟ قالت : 
 
من الذي جئت به فعرف أنه رِزْقٌ رَزقَهُموه الله عز وجل.

قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبّار ملكاً يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه 
 
الثانية فأبى عليه، ثم دعاه الثالثة فأبى عليه وقال : إجمع جموعك وأجمع جموعي.

فجمع النمرود جيشه وجنوده، وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذباباً من البعوض، بحيث لم يروا عين الشمس وسلّطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاماً باديةً ، ودخلت 
 
واحدةٌ منها في منْخَار الملكِ فمكثت في منخاره أربعمائة سنة ، عذبه الله تعالى بها فكان يُضْرَبُ رأسُه بالمرِازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.
 

 
سأل رجل عنترة بن شداد :
ما السر في شجاعتك و أنت تغلب الرجال ؟
فقال عنترة :
ضع إصبعك في فمي ، و خذ إصبعي في فمك ..
و عض كلا منهما الآخر ، فصاح الرجل من الألم ولم يصبر ..
فأخرج له عنترة إصبعه وقال :
 بهذا غلبت الأبطال ..
بالصبر و الإحتمال .


الشنفرى هو عمرو بن مالك الأزدي، من بني الحارث بن ربيعة توفي في عام 70 قبل الهجرة مشهور من اليمنية، ويعني اسمه (غليظ الشفاه).

نشأ (الشنفرى) طفلاً يتيماً من قبيلة تسمى الأزد، وكانت بين قبيلته وقبيلة تسمى الأواس حروب، تم أسر أحد زعماءالأزد فيها فعرض بعض الأشخاص من الأزد على الأواس أن يعطوهم هذا الطفل مقابل الإفراج عن الزعيم المأسور فوافقوا وأخذوا الطفل (الشنفرى) على أساس أن يصير عبداً عندهم، ولكن الشخص الذي رباه عامله كابن له واعتنى به فكبر وصار فارساً لا يشق له غبار.
وكانت عند ذلك الرجل إبنة جميلة أحبها (الشنفرى) فطلبها من أبيها
فقال الأب : أنت في الأصل من قوم أعداء لنا، ويعتبرك قومي مجرد عبد عندهم ولولا أن يقتلني قومي لزوجتك إبنتي فأنت من أفضل الرجال.
فقال (الشنفرى) : والله إن قتلوك لأقتلن مائة واحدا منهم
فقال الرجل : خذ البنت فقد زوجتك إياها وامضيا إلى قبيلتك الأصلية. 

فأخذها(الشنفرى) ومضى وبعد أيام جاءه الخبر أن مئات الأشخاص الغاضبين من قبيلة الأواس قد اجتمعوا على أب الفتاة وقتلوه..

فسأل (الشنفرى) عن أسماء القتلة حتى عرفهم ثم صار (الشنفرى) يصنع السهام بيديه ويضع علامة تدل على اسمه على كل سهم، ثم صار يغير على قبيلة الأواس وحده ويرميهم بالسهام فيقتل أعداداً منهم ممن شاركوا في قتل عمه فقتل العشرات منهم إلى أن أغار عليهم مرة فقتل الشخص السابع والتسعين منهم ثم طارده فرسان القبيلة فهرب إلى الصحراء القاحلة .. فقالوا ليس في كل هذه المنطقة سوى بئر ماء واحد وهذا الهارب سيحتاج بالتأكيد للذهاب إلى ذلك البئر، فاختبئوا قرب البئر.. وقالوا يجب أن نمسكه هذه المرة وتعاهدوا وأقسموا بينهم أن لا يصيح أي منهم أو يصدر أي صوت حتى لو مات أو قلعت عينه أو قطعت يده. 

وبالفعل جاء (الشنفرى) مقترباً من البئر في الليل، وكانت ليلة ظلماء ليس فيها قمر فشك أن يكون هناك كمين ينتظره، فصاح من باب الاحتياط : (لقد رأيتكم فاخرجوا) فلم يخرج أحد ، ثم اقترب من البئر أكثر فرمى سهماً على التل القريب منه فأصاب واحداً منهم فلم يصرخ.
وعرف (الشنفرى) من صوت السهم عندما وقع أن هذا السهم لم يصب رملاً أو حجراً فرمى سهماً ثانياً في العتمة فقتل واحداً منهم، فأمسكوا الذي قٌتل حتى لا يقع على الأرض ويحدث صوتاً، ثم اقترب (الشنفرى) الذي اشتد به العطش حتى وصل للبئر فلم يجد دلواً فنزل إلى داخل البئر متسلقاً على جدرانه ..
وعند ذلك هجموا عليه وضربه أحدهم بالسيف على يده فقطعها ووقع (الشنفرى) في البئر فأمسك (الشنفرى) يده المقطوعة وقذف بها ذلك الشخص على وجهه فوقع أيضاً في البئر، فقتله (الشنفرى) وصار عدد القتلى تسعة وتسعين، ولكنهم تمكنوا أخيراً من أسره ثم قاموا بقتله أمام كل الناس، ثم صلبوه وتركوه معلقاً مصلوباً لمدة سنتين ليكون عبرة لكل أعدائهم

وقالت زوجته لم آسف على شيء مثل أسفي على عدم قدرته على تنفيذ وعده لأبي بقتل مائة منهم قبل أن يقتلوه، فرأته تلك الليلة في المنام وقال لها (لا تأسفي .. سأبر بوعدي)

وبعد يومين سقط رأس (الشنفرى) من على جثته الآخذة في التحلل، فنادى بعض الأطفال الشخص الذي قتله وقالوا لقد سقط رأس الجثة .. فجاء ليرى فرأى رأس (الشنفرى) على الأرض فرفسه برجله فدخلت عظمة من رأس (الشنفرى) في رجل الرجل فورمت رجله كثيراً وبعد أيام انتشر الورم في كل جسمه فمات.
فاكتمل العدد وصاروا مائة . . ووفى (الشنفرى) بوعده
 
 
 

 
 
كان الخليفة المنصور يتجول يوما في بغداد فرأى رجلاً ملهوفاً يجول في الطرقات  فأرسل إليه من أتاه به ، فلما سأله عن حاله أخبره أنه خرج في تجارة فكسب مالاً ، وأنه رجع بالمال إلى منزله فدفعه إلى أهله ، ثم ذكرت امرأته أن المال سرق من بيتها ، ولم ير نقباً بالدار ولا أثراً للص فقال المنصور :
 
منذ كم تزوجتها ؟
قال : منذ سنة
قال : أبكرٌ تزوجتها أم ثيباً ؟
قال:  ثيباً
قال: هل لديها ولدٌ من سواك ؟
قال:  لا
قال: هل هي شابة أم مسنة ؟
قال: بل شابة
 
 فدعا المنصور بقارورة طيب كان يُعمل له ، حاد الرائحة ، غريب النوع ، فدفعها إلى الرجل وقال له : تطيَّب من هذا الطيب فإنه يذهب همّك ، فلما خرج الرجل من عند المنصور، قال المنصور لأربعة من ثقاته (رجال موثوق بهم) :
ليقعد كل واحد منكم على باب من أبواب المدينة الأربعة فمن مر به أحد فشم منه هذا الطيب فليأتني به.
وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته ، وقال لها:  وهبه لي أمير المؤمنين فشمّته فأعجبها ، فبعثت ببعضه إلى رجل كانت تحبه ، وهو الذي دفعت إليه مال زوجها ، وقالت له:  تطيّب من هذا الطيب فإن أمير المؤمنين وهبه لزوجي . فتطيّب منه الرجل . ثم إنه مرّ مجتازاً ببعض أبواب المدينة فشمّ الموكل بالباب رائحة الطيب منه ، فأخذه فأتى به المنصور.

فقال له المنصور:  من أين حصلت على هذا الطيب فإن رائحته غريبة مُعجبة ؟
قال: اشتريته
قال:  من أين اشتريته ؟ فتلجلج الرجل واختلط كلامه .
فدعا المنصور صاحب شرطته وقال له : خذ هذا الرجل إليك فإن أحضر كذا وكذا من الدنانير فخلّه يذهب حيث شاء ، وإن امتنع فاضربه ألف سوط.
فخرج به صاحب الشرطة وجرده ودعا بالسياط ليضربه ، فأذعن الرجل وردّ الدنانير.
ودعا المنصور زوج المرأة وقال له:  لو رددت عليك الدنانير التي سُرقت منك ، أتحكِّمني في امرأتك؟
قال: نعم
قال المنصور:  فهذه دنانيرك ، وإمرأتك طالق منك ، ثم أخبره خبرها.

 
 

كان الحجاج يوما في رحلة صيد فرأى تسعة كلاب إلى جانب صبي صغير السن عمره حوالي عشر سنوات وله ذوائب فقال له الحجاج : ماذا تفعل هنا أيها الغلام ؟
فرفع الصبي طرفه إليه وقال له : يا حامل الأخبار لقد نظرت إلي بعين الاحتقار وكلمتني بافتخار وكلامك كلام جبار وعقلك عقل حمار.
فقال له الحجاج ؛ أما عرفتني أيها الغلام ؟
فقال الغلام عرفتك بسواد وجهك لأنك أتيت بالكلام قبل السلام.
فقال له الحجاج : ويلك أنا الحجاج بن يوسف
فقال له الغلام : لا قرب الله دارك ولا مزارك فما أكثر كلامك وأقل إكرامك.
فما أتم كلامه إلا الجيوش حلقت عليه من كل جانب وكل واحد يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين
فقال الحجاج : أحفظوا هذا الغلام فقد أوجعني بالكلام فأخذوا الغلام.
 
 رجع الحجاج إلى قصره فجلس في مجلسه والناس حوله جالسون ومن هيبته مطرقون وهو بينهم كالأسد ثم طلب إحضار الغلام فلما مثل بين يديه ورأى الوزراء وأهل الدولة لم يخشى منهم بل قال السلام عليكم فلم يرد الحجاج السلام فرفع الغلام رأسه وأدار نظره فرأى بناء القصر عاليا ومزينا بالنقوش والفسيفساء وهو في غاية الإبداع والإتقان
فقال الغلام: "أتبنون بكل ريع أية تبعثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين" فإستوى الحجاج وكان متكئا..
 
فقالوا للغلام : يا قليل الأدب لماذا لم تسلم على أمير المؤمنين السلام اللائق ولا تتأدب في حضرته ؟
فقال الغلام : يا براغيث الحمير منعني عن ذلك التعب في الطريق وطلوع الدرج أما السلام فعلى أمير المؤمنين وأصحابه يعني السلام على عليّ بن أبي طالب وأصحابه.
فقال الحجاج : يا غلام لقد حضرت في يوم تم فيه أجلك وخاب فيه أملك.
فقال الغلام : والله يا حجاج أن كان من أجلي تأخير لم يضرني من كلامك لا قليل ولا كثير
فقال بعض الغلمان : لقد بلغت من جهلك يا خبيث أن تخاطب أمير المؤمنين كما تخاطب غلاما مثلك يا قليل الأدب انظر من تخاطب وأجبه بأدب واحترام فهو أمير العراق والشام.
فقال الغلام : أما سمعت قوله تعالى "كل نفس تجادل عن نفسها" ؟
فقال الحجاج  : فمن عنيت بكلامك أيها الغلام ؟
قال الغلام ؛ عنيت عليّ بن أبي طالب وأصحابه وأنت أيها الحجاج على من تسلم.
فقال الحجاج : على عبد الملك بن مروان.
فقال الغلام ؛ عبد الملك الفاجر عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فقال الحجاج  : ولم ذلك يا غلام ؟
فقال الغلام : لأنه أخطأ خطيئة عظيمة مات بسببها خلق كثير.
فقال بعض الجلساء : اقتله يا أمير المؤمنين فقد خالف الطاعة وفارق الجماعة وشتم عبد الملك بن مروان.
فقال الغلام يا حجاج : أصلح جلسائك فإنهم جاهلون
فأشار الحجاج لجلسائه بالصمت.
ثم سأله الحجاج هل تعرف أخي ؟
فقال الغلام : أخوك فرعون حين جاء موسى وهارون ليخلعوه عن عرشه فأستشار جلسائه.
فقال له الرقاشي : هبني إياه يا أمير المؤمنين أصلح الله شأنك.
فقال الحجاج : هو لك لا بارك الله فيه.
فقال الغلام : لا شكر للواهب ولا للمستوهب.
فقال الرقاشي : أنا أريد خلاصك من الموت فتخاطبني بهذا الكلام ، ثم إلتفت الرقاشي إلى الحجاج وقال له أفعل ما تريد يا أمير المؤمنين.
فقال الحجاج للغلام : من أي بلد أنت ؟
قال الغلام : من مصر.
فقال الحجاج : من مدينة الفاسقين.
قال الغلام : ولما سميتها مدينة الفاسقين ؟
فقال الحجاج : لأن شرابها ذهب ونساءها لعب ونيلها عجب وأهلها لا عرب ولا عجم.
قال الغلام : لست منهم.
فقال الحجاج : من أي بلد إذن ؟
قال الغلام : من خرسان.
فقال الحجاج : من شر مكان وأقل الأديان.
قال الغلام : ولم ذلك يا حجاج ؟
فقال الحجاج : لأنهم أعجام مثل البهائم والأغنام كلامهم ثقيل وغنيهم بخيل.
قال الغلام : لست منهم.
فقال الحجاج : من أي بلد أنت ؟
قال الغلام : أنا من الشام.
فقال الحجاج : أنت من أحسن البلدان وأغضب مكان وأغلظ أبدان.
قال الغلام : لست منهم.
فقال الحجاج : فمن أين إذن ؟
قال الغلام : من اليمن.

فقال الحجاج : أنت من بلد غير مشكور.
قال الغلام : ولم ذلك ؟
فقال الحجاج لأنهم صوتهم مليح وعاقلهم يستعمل الزمر وجاهلهم يشرب الخمر.
قال الغلام : أنا لست منهم.
فقال الحجاج : فمن أين إذن ؟
قال الغلام : من مكة.
فقال الحجاج : أنت إذن من أهل اللؤم والجهل وقلة العقل.
قال الغلام : ولم ذلك ؟
فقال الحجاج : لأنهم قوم بعث فيهم نبي فكذبوه وطردوه من بينهم إلى قوم أحبوه وأكرموه.
قال الغلام : أنا لست منهم.
فقال الحجاج : لقد كثرت جواباتك علي وقلبي يحدثني بقتلك.
قال الغلام : لو كان أجلي بيدك لما عبدت سواك، ولكن أعلم يا حجاج أني من أهل طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال الحجاج : نعمت المدينة أهلها أهل الأيمان والإحسان فمن أي قبيلة أنت ؟
قال الغلام : من ثلي بني تعلب من سلالة عليّ بن أبي طالب وكل حسب ونسب ينقطع إلا حسبنا ونسبنا.
فأغتاظ الحجاج غيظا شديدا وأمر بقتل الغلام،فقال الحاضرون من الوزراء : ولكنه لا يستحق القتل وهو دون سن البلوغ يا أمير.
فقال الحجاج : لا بد من قتله ولو ينادي منادي من السماء.
قال الغلام : ما أنت بنبي حتى يناديك منادي من السماء.
فقال الحجاج : من يحول بيني وبين قتلك ؟
قال الغلام : يحول بينك وبيني ما يحول بين المرء وقلبه.
فقال الحجاج : هو الذي يعينني على قتلك.
قال الغلام : كلا إنما الذي يعينك على قتلي شيطانك وأعوذ بالله منك ومنه.
 
فقال الحجاج : أراك تجاوبني على كل سؤال.
فأخبرني : ما يقرب العبد من ربه ؟
قال الغلام : الصوم والصلاة والزكاة والحج.
فقال الحجاج : أنا أتقرب من الله بدمك لأنك من أولاد الحسن والحسين.
قال الغلام : من غير خوف ولا جزع أنا من أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان أجلي بيدك فقد حضر شيطانك يعينك على فساد أخرتك.
فأجابه الحجاج : أتقول أنك من أولاد رسول الله وتكره الموت ؟
قال الغلام : قال الله تعالى "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"

فقال الحجاج : ابن من أنت ؟
قال الغلام : أنا ابن أبي وأمي.
فسأله الحجاج : من أين جئت ؟
قال الغلام : على رحب الأرض.
فقال الحجاج : أخبرني من أكرم العرب ؟
قال الغلام : بنو طيً.
فسأله الحجاج : ولم ذلك ؟
قال الغلام ؛ لأن حاتم الأصم منهم.
فقال الحجاج : فمن أشرف العرب ؟
قال الغلام : بنو مضر.
فقال الحجاج : ولم ذلك ؟
قال الغلام : لأن محمد صلى الله عليه وسلم منهم.
فقال الحجاج : فمن أشجع العرب ؟
قال الغلام : بنو هاشم لأن علي ّ بن أبي طالب منهم
فقال الحجاج : فمن أبخس العرب وأقلهم خيرا ؟
قال الغلام : بنو ثقيف لأنك أنت منهم وفي الحديث الشريف يظهر من بنو ثقيف نمرود وكذاب فالكذاب مسيلمة والنمرود أنت.
فأغتاظ الحجاج غيظا شديدا وأمر بقتله فشفع له الحاضرون فشفعهم فيه وسكن غضبه قليلا.
وقال الحجاج : أين تركت الإبل ذات القرون ؟
قال الغلام : تركتها ترعى أوراق الصوان.
فصاح به الحجاج قائلا : يا قليل العقل ويا بعيد الذهن هل للصوان ورق ؟
فقال الغلام : وهل للإبل قرون؟!
فقال الحجاج : هل حفظت القرآن ؟
قال الغلام : هل القرآن هارب مني حتى أحفظه ؟
فسأله الحجاج : هل جمعت القرآن ؟
قال الغلام : وهل هو متفرق حتى أجمعه ؟
فقال له الحجاج : آما فهمت سؤالي ؟
فأجابه الغلام : ينبغي لك أن تقول هل قرأت القرآن وفهمت ما فيه ؟
 
فقال الحجاج : فأخبرني عن آية في القرآن أعظم ؟ وآية أحكم  ؟ وآية أعدل ؟ وآية أخوف ؟ وآية أرجى ؟ وآية فيها عشر آيات بينات ؟ وآية كذب فيها أولاد الأنبياء ؟ وآية صدق فيها اليهود والنصارى ؟ وآية قالها الله لنفسه ؟ وآية فيها قول الأنبياء ؟ وآية فيها قول الملائكة ؟ وآية فيها قول أهل الجنة ؟ وآية فيها قول أهل النار ؟ وآية فيها قول إبليس ؟
فقال الغلام : أما أعظم آية فهي آية الكرسي
وأحكم آية "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"
وأعدل آية "فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذره شرًا يره"
وأخوف آية "أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم"
وأرجى آية
 "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعها"
و آية فيها عشر آيات بينات هي "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب"
وأما الآية التي كذب فيها أولاد الأنبياء فهي   "وجاءوا على قميصه بدم كذب" وهم أخوة يوسف كذبوا وأدخلوا الجنة.
وأما الآية التي صدق فيها اليهود والنصارى فهي "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء" فصدقوا وأدخلوا النار.
والآية التي قالها لنفسه هي "وما خلقت الجن والأنس الإ ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"
وآية فيها قول الأنبياء "وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون"
وآية فيها قول الملائكة "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم"
وآية فيها قول أهل الجنة "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور"
وآية فيها قول أهل النار "ربنا أخرجنا منها نعمل صالحا"
وآية فيها قول إبليس "أنا خيرُ منه خلقتني من نار وخلقته من طين"
فقال الحجاج : أخبرني عمن خُلق من الهواء ؟ ومن حُفظ بالهواء ؟ ومن هلك بالهواء ؟
فقال الغلام ؛ الذي خلق من الهواء سيدنا عيسى عليه السلام والذي حُفظ بالهواء سيدنا سليمان بن داوود عليهما السلام وأما الذي هلك بالهواء فهم قوم هود.
فقال الحجاج : فأخبرني عمن خُلق من الخشب ؟ والذي حُفظ بالخشب ؟ والذي هلك بالخشب ؟
قال الغلام : الذي خُلق من الخشب هي الحية من عصا موسى عليه السلام والذي حُفظ بالخشب نوح عليه السلام والذي هلك بالخشب زكريا عليه السلام.
فقال الحجاج : فأخبرني من خُلق من الماء ؟ ومن نجا بالماء ؟ ومن هلك بالماء ؟
فقال الغلام ؛ الذي خُلق من الماء أبونا أدم عليه السلام والذي نجا من الماء موسى عليه السلام والذي هلك بالماء فرعون.
فقال الحجاج : فأخبرني من خُلق من النار؟ ومن حُفظ من النار ؟
فقال الغلام : الذي خُلق من النار إبليس والذي نجا من النار إبراهيم عليه السلام.

فقال الحجاج : فأخبرني عن أنهار الحنة وعددها ؟
قال الغلام : أنهار الجنة كثيرة لا يعلم عددها إلا الله سبحانه وتعالى كما قال الله في كتابه العزيز "فيها أنهار من ماء غير أسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى" وكلها من محل واحد لا يختلط بعضها ببعض ويوجد نظيره في الدنيا وهو في رأس بني أدم طعم عينه مالح وأذنه مر وطعم فمه عذب.
فقال الحجاج : إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغطون فهل يوجد مثل له في الدنيا ؟
قال الغلام : الجنين في بطن أمه يأكل ويشرب ولا يتغوط.
فقال الحجاج : فما أول قطرة من دم ؟
قال الغلام : هي حيض حواء.
فقال الحجاج : أخبرني عن العقل ؟ والأيمان ؟ والحياء ؟ والسخاء ؟ والشجاعة ؟ والكرم ؟ والشهوة ؟
قال الغلام : إن الله عز وجل قسم العقل عشرة أقسام جعل الله تسعة في الرجال وواحدة في النساء
والأيمان عشرة أقسام تسعة في اليمن وواحدة في بقية الدنيا.
والحياء عشرة أقسام تسعة في النساء وواحدة في الرجال.
والسخاء عشرة أقسام تسعة في الرجال وواحدة في النساء.
والشجاعة والكرم تسعة في العرب وواحدة في بقية العالم.
والشهوة عشرة أقسام تسعة في النساء وواحدة في الرجال.
فقال الحجاج : فأخبرني ما يجب على المسلم في السنة مرة ؟
قال الغلام : صيام رمضان.
فقال الحجاج : وما يجب في العمر مرة ؟
قال الغلام : حج بيت الله الحرام من أستطاع إليه سبيلا.
فقال الحجاج : فأخبرني عن أقرب شيء إليك ؟
قال الغلام الآخرة.
 ثم قال الحجاج : سبحان الله يأتي الحكمة من يشاء من عباده ما رأيت صبيا آتاه الله عز وجل العلم والعقل والذكاء مثل هذا الغلام.
فقال الغلام : أنا أهل لذلك .
فقال الحجاج : فمن أحق الناس في الخلافة ؟
قال الغلام : الذي يعفو و يصفح ويعدل بين الناس.


فقال الحجاج : فأخبرني عن النساء ؟
قال الغلام : أتسألني عن النساء وأنا صغير لم أطًلع بعد على أحوالهن ورغائبهن ومعاشرتهن ولكنني سأذكر لك المشهور من أمورهن..
فبنت العشر سنين من الحور العين وبنت العشرين نزهة للناظرين وبنت الثلاثين جنة نعيم وبنت الأربعين شحم ولين وبنت الخمسين بنات وبنين وبنت الستين ما بها فائدة للسائلين وبنت السبعين عجوز في الغابرين وبنت التسعين شيطان رجيم وبنت المائة من أصحاب الجحيم.
فضحك الحجاج وقال : أي النساء أحسن ؟
قال الغلام : ذات الدلال الكامل والجمال الوافر والنطق الفصيح التي يهتز نهدها ويرتاح ردفها.
فقال الحجاج : أخبرني عن أول من نطق الشعر ؟
قال الغلام : سيدنا أدم عليه السلام وذلك لما قتل قابيل أخاه هابيل أنشد يقول :

بكت عيني وحق لها بكاها ****** ودمع العين منهمل يسيح
فمالي لا أجود بسكب دمع ****** وهابيل تضمه الضريح
رمى قابيل هابيلا أخاه ****** وألحد في الثرى الوجه الصبيح
تغيرت البلاد ومن عليها ****** فوجه الأرض مغبر كشيح
تبدل كل ذي طعم ولون ****** لفقدك يا صبيح يا مليح
أيا هابيل إن تقتل فإني ****** عليك الدهر مكتئب قريح
فأنت حياة من في الأرض جميعا ****** وفقدك ياروح وريح
ولست ميت بل حي ****** وقابيل الشقي هو الطريح
عليك السخط من رب البرايا ****** وأنت عليك تسلم صريح

فأجابه إبليس :
تنوح على البلاد ومن عليها وفي الفردوس قد ضاق الفسيح
وكنت بها وزوجك في نعيم من المولى وقلبك مستريح
خدعتك في دهائي ثم مكري إلى أن فاتك العيش الرشيح

فقال الحجاج : أخبرني عن أجود بيت قالته العرب في الكرم ؟
قال الغلام : هو بيت حاتم طي حيث يقول :
وأكرم الضيف حتما حين يطرقني
قبل العيال على عسر وإيسار
فقال الحجاج : أحسنت أيها الغلام وأجملت وقد غمرتنا ببحر علمك فوجب علينا أكرامك ثم أحضر للغلام ألف دينار وكسوة حسنة وجارية وسيف وفرس، وقال الحجاج في نفسه : إن أخذ الفرس نجا وإن أخذ غيرها قتلته.
ثم قال الحجاج : خذ ما تريد يا غلام.
فغمزته الجارية وقالت : خذني أنا خير من الجميع.
فضحك الغلام وقال : ليس لي بك حاجة وأنشد يقول
وقرقعت اللجان برأس حمرا أحب إلى مما تغمزيني
أخاف إذا وقعت على فراشي وطالت علتي لا تصحبيني
أخاف إذا وقعنا في مضيق وجار بي الدهر لا تنصريني
أخاف إذا فقدت المال عندي تميلي للخصام وتهجريني

فأجابته الجارية تقول :
معاذ الله أفعل ما تقول ولو قطعت شمالي مع يميني
وأكتم سر زوجي في ضميري وأقنع باليسير وما يجيني
إذا عاشرتني وعرفت طبعي ستعلم أنني خير القرين

فقال الحجاج للجارية : ويلك ألا تستحين تغمزينه وتجاوبينه بالشعر.
قال الغلام : إن كنت تخيرني فإني أختار الفرس،
أما إن كنت ابن حلال فتعطيني الجميع.
فقال الحجاج : خذهم لا بارك الله لك فيهم.
قال الغلام : قبلتهم لا أخلف الله عليك غيرهم ولا جمعني بك مرة أخرى.
ثم قال الغلام : من أين أخرج يا حجاج ؟
فأجابه الحجاج : من ذاك الباب فهو باب السلام.
 
فقال الجلساء للحجاج : هذا جلف من أجلاف العرب أتى إليك وسبًك وأخذ مالك فتدله على باب السلام ولم تدله على باب النقمة والعذاب!
فقال الحجاج : إنه استشارني والمستشار مؤتمن.
 
وخرج الغلام من بين يديً الحجاج سالمُا غانما بفضل ذكاءه وفهمه وحسن إطلاعه.
 

ahmed magdy

{picture#https://lh3.googleusercontent.com/-lv54UQvN9hA/AAAAAAAAAAI/AAAAAAAACHA/sEen-s1nNPo/s60-p-rw-no/photo.jpg} هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة، لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى {facebook#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {twitter#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {google#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {pinterest#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {youtube#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL} {instagram#YOUR_SOCIAL_PROFILE_URL}
يتم التشغيل بواسطة Blogger.